المقاربة التشاركية..الفريضة الغائبة في التنمية

ما زال وصف «العقود الضائعة» ينطبق على سنوات طويلة من مشاريع التنمية التي انبرت لتحدي إدماج البلدان حديثة العهد بالاستقلال في مسار التقدم الإنساني, الذي شمل مختلف مناحي الحياة. وباستثناء طائفة قليلة من البلدان التي وجدت طريقها للإقلاع، تاهت أغلب الدول النامية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية في تجارب تنسخ إحداها الأخرى، دون نتائج ملموسة على مستوى معيشة السكان والمؤشرات السوسيو-اقتصادية. وبينما ارتهنت بعضها لخيارات الاقتصاد الموجه التي أطاحت بها عاصفة انهيار الاتحاد السوفييتي، انقادت أغلبها لتوصيات المؤسسات المالية الدولية ونصائح الدول الصناعية الكبرى التي تعددت مداخلها وأساليبها وإن توحدت في طبيعتها. برامج فوقية مركزية تم تنزيلها على وقائع اجتماعية واقتصادية لها خلفياتها وخصوصياتها المتمايزة، فكان أن استنزفت الموارد والطاقات دون أن تنتشل السكان من حالة العوز ودرك التخلف.
لقد رصدت الأدبيات الناقدة للبرامج التنموية التي كانت دول العالم الثالث مختبراً لها جملة من المثالب التي حكمت عليها بالفشل، لكنها توقفت طويلاً عند الدور الغائب للساكنة المستهدفة بالمشاريع التنموية في مختلف مراحلها تصوراً وتنفيذاً وتقويماً. والحال أن هذه الثغرة تنسف من الأساس مفهوم التنمية باعتبارها حركة جماعية لأمة معينة تنحو إلى تثوير أنماط الإنتاج والتوزيع عبر الاستثمار الأمثل لمقدرات الجماعة الوطنية بشرياً وطبيعياً. فالتنمية ليست سوى «توحيد جهود جميع المواطنين مع الجهود الحكومية لتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للجماهير، وربطهم بظروف مجتمعهم ونمط الحياة فيه، وتمكينهم من المساهمة في تحقيق التقدم والرقي لمجتمعهم». ومن هنا كانت مشاركة المواطنين في مسلسل التنمية شرط وجوب لنجاعة المشروع دون أن يتعارض ذلك بالطبع مع حقيقة أن الدولة تبقى الفاعل القيادي في كل مشروع تنموي بالنظر إلى قدرتها التوحيدية والتأطيرية.
منذ الثمانينيات، بدأ مفهوم التنمية التشاركية يحتل حيزاً هاماً في الأدبيات الدولية. وقاد نقد النماذج التنموية السائدة القائمة على برامج التقويم الهيكلي ذات البعد المالي الغالب إلى الوقوف على فشل سياسات مفروضة من أعلى، ليتبين أن الحق في التنمية يبدأ بحق كل شعب في اختيار نموذجه التنموي، مما يفرض تحديد السياسة العمومية في هذا المجال بناء على ديناميات داخلية وتعبئة شرائح المجتمع المعني. وبالفعل بات كل الفاعلين المتدخلين في العملية التنموية على قناعة بأن أي برنامج تنموي يتوخى النجاعة والاستدامة غير ممكن التحقق إلا إذا كان «مقبولاً، مدبراً ومنسقاً من قبل الساكنة المعنية، ويأخذ بعين الاعتبار الوقائع الاجتماعية السياسية المحلية». ثم إن التأثيرات الهدامة للبرامج التنموية القائمة على رفع الإنتاجية بالنسبة للبيئة, وكذا ثقل كلفة الأجهزة والآليات المرصودة لمباشرة ومتابعة العمليات التنموية حتمت التفكير في أوليات جديدة في مقدمتها المراهنة على المشاركة الشعبية كشرط لفعالية واستمرارية برامج الإنماء وتخفيف العبء عن الحكومات، وحماية البيئة التي يوجد السكان المحليون على تماس يومي متواصل معها.
التشخيص تأخر، لكن الإجماع حوله آخذ في التوسع. عدم الأخذ بعين الاعتبار لأهداف الساكنة المحلية يدفع الناس للتعامل بفتور -وأحياناً بتمرد- على قرارات وخيارات الأجهزة المركزية، التي كثيراً ما اختارت التضحية بمصالح المنتجين من أجل مردودية حسابية مباشرة، مما عمق هوة الثقة بين الدولة والمنتجين المحليين. فلسفة المقاربة التشاركية تتمثل في تمكين المواطنين من صلاحية المبادرة والقرار في تحديد وتفعيل البرامج التي تهم مستقبلهم. هذا يعني أن تعترف الحكومات والمنظمات المعنية بالفلاحين والعمال كفاعلين في مسلسل التنمية، كشركاء وليسوا كموضوع فقط للعملية. لا تشارك إذن إلا في إطار علاقة شراكة وعلاقات تعاقدية بين الساكنة المعنية وباقي الفاعلين.
ومن هنا وجب التأكيد أن المشاركة لا تتحقق قطعاً بنقل مهام وأعباء مادية لساكنة محلية بخصوص قرارات اتخذت بعيداً عنها. فبعض الحكومات حصرت التشاركية في مرحلة لاحقة لاتخاذ القرارات وتسطير البرامج والأهداف، بحيث لا يتم إدماج المعنيين إلا في مراحل التنفيذ، وهو ما ينسف فلسفة التشارك من الأساس ويجعلها مجرد قناع للتبجح الحكومي بالممارسة الديمقراطية

Laisser un commentaire

Aucun commentaire pour l’instant.

Comments RSS TrackBack Identifier URI

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s