أزمة العقل المغربي

 

إن قضايا الفكر والتفكير هي من أهم القضايا التي شغلت بال الفلاسفة الكبار عبر التاريخ حيث حاولوا دراستها والإحاطة بها من كل الجوانب جاعلين منها مدخلا لأطروحاتهم الفلسفية التي بصمت تاريخ الإنسانية جمعاء. أولئك هم رسل العلم والعقل من أمثال أفلاطون وهيجل وماركس وفولتير وابن خلدون وابن رشد وغيرهم من المفكرين الغربيين والعرب الذين أناروا طريق الأمم في اتجاه تنظيم شؤونها وتجديد أساليب حكمها. فظهرت حضارات وأفلت أخرى واستمرت الإنسانية في تطورها إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن. ولعل اشتراكهم جميعا في إعطاء الأولوية للفكر ولاستعمال العقل من طرف الفرد والجماعة لم يكن من قبيل الصدفة. فهبة العقل التي منحنا الله إياها وميّزنا بها عن باقي المخلوقات هي التي كان لها الفضل الأكبر في نهضة الحضارة الإنسانية وفي بلوغها درجات عليا من التقدم العلمي. ومع ذلك فإن العقل وحده لا يستطيع دائما أن يرقى بالبشرية نحو الأحسن والأجدى. لذلك كان الخالق سبحانه وتعالى يبعث رسله إلى البشر من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور ومن أجل منحهم القوة والإرادة لمغالبة الظلاميين والجاحدين الذين كانوا يريدون العودة بالحضارة نحو التخلف والاندحار.

إن المجتمعات والأمم على اختلاف أصولها التاريخية والجغرافية لم تكن لتعرف نفس الوتيرة في تطورها الفكري والثقافي. فبقدر ما تختلف درجات الذكاء من عقل لآخر على مستوى الأفراد تختلف كذلك حركة الفكر العام للمجتمعات وتتباين فيما بينها. بمعنى أن المجتمعات والأمم تختلف نسبيا في مستويات تفكيرها الجماعي بين مجتمع جامد يقتات من النظريات التقليدية الموروثة دون بحث أو تمحيص وبين مجتمع متحرر فكريا يؤمن بالعقل وبالإقناع والاستدلال بالتاريخ والحجج العلمية. فأيهما من هذين المثالين هو الأقرب إلى مجتمعنا المغربي؟

للأسف، أعتقد أننا أقرب ما نكون إلى ذلك المجتمع الجامد الذي يرفض كل دخيل على قناعاته الموروثة كمن أحبّ أن يبقى على غفلته وتواكله حيث ترتفع فيه نسب البطالة والأمية والفقر. وكلما وضعنا برامج لمحاربتها إلا وظهرت أمامنا أعداد هائلة من العقبات والعراقيل التي تلهينا عنها. إن المجتمعات الجامدة لا تملك القابلية للإصلاح مثلها في ذلك مثل التربة الطينية التي لا تسمح للماء بعبورها على عكس التربة الرملية النفّاذة (perméables) بفضل تركيبتها البنيوية.

ومع أن الديمقراطية تعتبر من أسمى النظريات التي عرفتها البشرية باعتبارها انتصارا للعقل على التخلف إلا أنها لم تستطع أن تنبت في مجتمعنا لأسباب عدة، فيها ما هو ذاتي وما هو موضوعي. لكن السبب الرئيسي الذي لا يمكن أن نتوه عنه هو أننا لا ننتمي إلى صف المجتمعات المتحركة فكريا وقد عانينا الكثير من تدهور مستوى التعليم ومن الأمية ومازلنا نعاني منهما. ورغم ذلك فإن معظم مسؤولينا مازالوا ينظرون للأمر على أنه مشكل جانبي لا تقتضي معالجته أكثر من وضع برامج ظرفية عابرة. وإني لأسديهم النصح بالتركيز على إصلاح التعليم ومحاربة الأمية لما لهما من أهمية قصوى في تعبيد الطريق نحو النهضة التي نطمح إليها حتى تستطيع أمتنا التحرر من جمودها القهّار الذي طال أمده.

 ومن هنا أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة صياغة البرامج والمقررات المرتبطة  بقطاع التعليم المدرسي والجامعي على أساس الرفع من جودتها وملاءمتها مع كافة الشرائح الاجتماعية مع إعمال الجانب اللغوي والتاريخي ضمن أولويات الإصلاح. كما أن الحاجة ملحة كذلك لتحسين صورة المدرسة من الناحية التقنية واللوجيستيكية عن طريق تزويدها بجميع الحاجيات الضرورية والآليات الجديدة دون تمييز. وهو الأمر الذي يتطلب الرفع من ميزانية التعليم والابتعاد عن سياسة التقشف التي ألفناها في هذا المجال. نعم إن معالجة مشاكل التعليم يجب أن تكون جذرية وملموسة بحيث يساهم فيها ثلة من الخبراء والمثقفين والعلماء في الميادين المختلفة التي يتم تدريسها دون إهمال مبدأ التجديد والتحديث الذي يرتبط بتطور العلوم والنظريات وبظهور علوم جديدة. فالأمر لم يعد يحتمل الانتظار أو الحلول الاستعجالية التي لا تلقى صداها داخل المناخ المدرسي فأحرى أن تلقاه على مستوى المناخ العام.

 أما بالنسبة لمحاربة الأمية فقد تم بذل العديد من الجهود لتحقيقها في السنين الأخيرة سواء من طرف الدولة أو المجتمع المدني إلا أنني بدأت ألاحظ تراجعا إن لم أقل تراخيا فيها من الجميع كأنها كانت موجة دعائية ليس إلا. إن المطلوب هو الرفع من وتيرة تعليم الكبار وجعله إجباريا على غرار التعليم النظامي حتى نستطيع تعميمه والقضاء عليه في المستقبل القريب.

إن مسائل التعليم والقراءة والثقافة هي التي تجسّد طبيعة الفكر العام للمجتمع، لذلك فإنني أعتبرها أولوية الأولويات التي لا دخل فيها للصراعات الحزبية أو السياسية الضيقة. وإذا ما استطعنا تجاوز المشاكل الكبرى التي تترتب عنها إضافة إلى قدرتنا على تطوير أسلوب الإدارة ودورها ، فسوف نكون قد بلغنا مستوى المجتمعات ذات الفكر المتحرك القابلة للتوجيه والتقييم والاعتبار. ومن تم السبيل إلى بلورة مشروع مجتمعي قابل للتطبيق وقادر على جذب أفراد المجتمع لتتفاعل معه.

Laisser un commentaire

Aucun commentaire pour l’instant.

Comments RSS TrackBack Identifier URI

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s