اي دور لثقافة في التواصل بين الضفتين

كانت الثقافة ولازالت بجميع رواسبها منذ غابر الزمان أهم العوامل في اتصال الشعوب وتدويب صقيع الاختلافات والتباينات الحاصلة على مستوى التفكير والتقاليد واللغة. وكانت هذه العملية تتم عن طريق استقبال أو ارسال بعثات ثقافية بغية انجاز تقارير وترجمة ذخيرتها المعرفية قصد اكتشاف خبايا باقي المجتمعات للنهل من ثقافتها والكشف عن عوامل تطورها وازدهارها، رغم محدودية الامكانيات المتوفرة آنذاك. وفي هذا السياق، لعبت الثقافة دورا مهما في تطور المجتمعات الانسانية وتواصلها عبر الزمان، إلا أنها اتخذت منحى آخر ابتداء من القرون الوسطى إذ اختلطت وظيفتها النبيلة بما هو سياسي لتصبح أداة للقمع والسيطرة على المجتمعات واستعمارها. وتوِجت هذا الغاية، لاسيما في علاقة الغرب بالشرق، بما سيعرف فيما بعد بالإستشراق. لقد كان للاستشراق جانب سَلبي تمثل في استعمار الشعوب التي كانت تعرف بالعالم الثالث وتطويعها سياسيا وثقافيا لنزف خيراتها واستيلابها فكريا لتصبح تابعة لها كما حدث في الجزائر والهند وغيرها من الدول التي عانت ويلات الاستعمار. كما كان له جانب إيجابي تمثل في إغناء الثقافات المحلية وتلقيحها علميا وفكريا من خلال تزويدها بمختلف العلوم التي توصلت لها هذه الدول. إلا أن ما يهمنا في هذا المقال ليس دراسة الاستشراق دراسة معمقة، بل باعتباره أداة للتواصل بين الضفتين المغرب واسبانيا؛ وإلى أي حد ساهمت الثقافة في تدعيم وتقويض العلاقات بين هذين المجتمعين باعتبارهما نموذجا مصغرا لمشروع كبير يعرف بثنائية العالم الاسلامي والعالم المسيحي؟ بادئ ذي بدء، لقد نجح الاستشراق منذ طفرته الأولى، كما تمت الاشارة إلى ذلك، في تكوين صورة معينة عن العالم الاسلامي: صورة جعلت من هذا العالم وحضارته العدو اللدود الذي يجب القضاء عليه لما يحمله من مبادئ وأفكار تم تأويلها على أنها متطرفة ومعارضة لمبادئ وقيم العالم المسيحي، كما هو الحال في استغلال مفهوم الجهاد عندما تم اخراجه من محيطه وسياقه التاريخي واعتباره صرخة تهديد ووعيد للقضاء على كل ما هو مغاير ومتباين. وقد توج هذا التيار نظريات وأطروحات المفكر الأمريكي صامويل هينتينغتون الذي جعل من العالم الاسلامي المهدد الأساسي لمستقبل العالم الغربي من خلال صراع الحضارات في ظل أفول النظام الاشتراكي وسيطرة الرأسمالية الامبريالية. زاد من حدة هذا الصراع التفجيرات الارهابية بأمريكا وانجلترا واسبانيا…، التي جعلت من العالم الاسلامي والعربي وكلما يربطه به محط استنكار وكره دائم. وأصبحت العلاقة بين العالمين كنتيجة لهذا الصراع متسمة بالحيطة والحذر، مما ساهم في دعم وترسيخ التصورات والكليشات والأحكام القبلية الموروثة منذ القرون الوسطى. وفي هذا الخضم، يمكن القول علاقة المغرب باسبانيا كانت دائما علاقة صداقة وتقارب ومودة من جهة وعلاقة كره وبغض تاريخي بفعل تواجد العنصر العربي بالأندلس لثمان قرون، تم التستر عليها ومحاولة مسحها من الذاكرة الجماعية الاسبانية بكل الطرق، رغم نداءات العديد من الكتاب والمفكرين الاسبان ، نذكر في هذا السياق خوان كويتيصولو..، الذين حاولوا جاهدين جعل التواجد العربي بالأندلس مصدر إغناء وإثراء للمكون الاسباني. ورغم المحاولات الكثيرة والجاهدة إلى مسح التواجد العربي، إلا أن الصروح والمواقع الأثرية الخالدة الشامخة فوق التراب الاسباني لا زالت تكذب هذه الادعاءات. إلا أن العلاقة بين الضفتين تبقى محكومة بعوامل سياسية أكثر منها ثقافية. فرغم الجهود المبذولة في هذا الإطار(من قبل تنظيم لقاءات ومؤتمرات، زيارات ثقافية، تبادل الخبرات، إنشاء مراكز ثقافية واجتماعية..)، إلا أنها تبقى محدودة ولا تتعدى نطاق المصلحة الوطنية لكل من البلدين: لنأخذ على سبيل المثال الدعم المادي المتمثل في المنح التي تمنحها وكالة التعاون الدولي والمراكز الثقافية الاسبانية المتواجدة بالمغرب، نقصد هنا معهد سيرفانطيس، فهذا الأخير هدفه الرئيسي ليس التعريف بالمجتمع الاسباني وتقاليده وثقافته، بل دعم ونشر اللغة الاسبانية في إطار مشروع سياسي ضخم يسعى إلى اكتساب أكبر عدد ممكن من الناطقين بهذه اللغة ودعم مركزها في السياق العالمي، وهو أمر مشروع على أية حال. كما أن جهود المغرب في هذا الإطار تبقى شبه ضئيلة إن لم نقل معدومة باستثناء بعض الأنشطة الترفيهية والفولكلورية الموجهة بشكل خاص للمهاجرين أكثر منه للتعريف بالمغرب لدى الاسبان. وتبقى الجهود المتشتة والمنفردة التي تقوم بها بعض الجمعيات وهيئات المجتمع المدني هي الوحيدة التي تحاول امتصاص التباعد وتقليص الهوة بين الجارين. فعلاقة الجوار والتاريخ المشترك بين البلدين لم يساهما بما فيه الكفاية لفتح باب الحوار والتفاهم نظرا لغياب إرادة سياسية واضحة من كلا الجانبين وتقصير من طرف الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني الذي يكتفي بما تمليه عليه وسائل الإعلام بشتى أنواعها والتي غالبا ما تتسم بالانحياز والتشويه والتعتيم. لذا بات من الضروري، مباشرة مشروع ثقافي شامل ومشترك بين البلدين لكسر قفص الكليشهات والأحكام المسبقة، عن طريق تعزيز وتكثيف الزيارات واللقاءات الثقافية؛ تخصيص جزء مهم للحوار والتفاهم في مختلف وسائل الإعلان ولاسيما المرئية منها لكونها قادرة على نقل صورة واقعية وصحيحة؛ تنظيم حوارات ومؤتمرات يكون الهدف منها التعريف بخصوصية المجتمعين؛ دعم العمل الجمعوي والمجتمع المدني؛ انشاء دور للثقافة وتبني سياسات مشتركة في مجال الهجرة؛ تنظيم زيارات جماعية تتوخى التعرف عن قرب على البلدين؛ تخصيص دعم مالي ولوجستيكي مهم للترجمة: إذ أن ترجمة الأعمال الأدبية والذخيرة المعرفية سواء للغة العربية أو الاسبانية من شأنها أن تساعد على التعرف على طريقة تفكير المجتمعين وتذويب الجليد المتراكم في العلاقات بين البلدين.

Laisser un commentaire

Aucun commentaire pour l’instant.

Comments RSS TrackBack Identifier URI

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s